أحمد بن محمود السيواسي

229

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ ) أي قال العزيز ( لِامْرَأَتِهِ ) زليخا ( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) أي أحسني إليه مدة إقامته فينا في المطعم والمشرب والملبس والمقام ( عَسى أَنْ يَنْفَعَنا ) فيما نحتاج إليه في كفاية أمورنا أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه ، وكان العزيز لا يولد له ولد فقال ( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) أي نتبناه فيكون ابنا لنا لما رأى في من مخائل الخير أو أن يوسف عرفه نسبه فأراد تبنيه لحريته ( وَكَذلِكَ ) أي وكانجائنا يوسف من البئر والشدائد إلى رأفة قلب العزيز عليه ( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) أي أرض مصر بأن جعلناه حاكما عليها ليتصرف فيها كيف يشاء من الأمر والنهي بالعدل ( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) أي لكي نلهمه من تعبير الرؤيا وغيره من العلوم ( وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ) أي أمر اللّه يفعل كيف يشاء ، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه أحد أو على أمر يوسف ، أي مستول على إتمام أمره بالتدبير ولا يكله « 1 » إلى أحد غيره حتى يبلغه منتهى علمه فيه ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ 21 ] ما اللّه صانع وما يريد أن يفعله . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 22 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) ( وَلَمَّا بَلَغَ ) يوسف ( أَشُدَّهُ ) أي قوته ، جمع شد أو شد أو لا واحد له من لفظه « 2 » وهو منتهى شبابه ، قيل : « هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة » « 3 » ، وقيل : « هو ثلاث وثلاثون » « 4 » ، وقيل : أربعون « 5 » ( آتَيْناهُ ) أي أعطيناه ( حُكْماً وَعِلْماً ) أي نبوة ليحكم بين الناس بها وفقها في الدين ، وقيل : الحكم الإصابة في القول والعلم تأويل الرؤيا « 6 » ( وَكَذلِكَ ) أي كما آتيناه في الدنيا من الحكم والعلم ( نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) [ 22 ] أي المطيعين من التوحيد في الآخرة ، وفيه تنبيه على أنه كان متقيا في عنفوان أمره ، قيل : « من أحسن عبادة ربه في حال شبيبته آتاه اللّه الحكمة في اكتهاله » « 7 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 23 ] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) ( وَراوَدَتْهُ ) أي طالبته مرة بعد مرة برفق وسهولة ( الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) أي المرأة التي يوسف في تربيتها ، وهي زليخا ( عَنْ نَفْسِهِ ) وهو كناية عما تريد النساء من الرجال ، يعني طلبت واحتالت عليه لتنال غرضها منه ( وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ) السبعة عليها وعليه ، وكانت تمازحه وتعزه ، ويوسف يستعيذ باللّه منها ويعظها بقوله اتقي اللّه ويزجرها ، وجعلت تقول له « 8 » : ما أحسن عينيك ، قال : هما أول كل شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي ، ثم قالت : ما أحسن وجهك ، قال : هو للتراب يأكله ، ثم قالت : ما أحسن شعرك ، قال : هو أول ما ينتثر من جسدي ، قالت : إن فراش الحرير مبسوط ، فقم فاقض حاجتي ، قال : إذن يذهب نصيبي من الجنة ( وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ) أي تهيأت لأجلك أو هلم وأقبل إلي ، واللام في « لَكَ » للبيان ، كأنه قيل : لك أقول هذا ، وقيل : العرب إذا دعا أحدا وصاح به يقول هيت لك « 9 » ، قرئ بكسر الهاء وفتحها مع فتح التاء ، وبكسر الهاء مع همزة ساكنة بدلا من الياء وفتح التاء ، وبفتح الهاء وضم التاء « 10 » ، وبنيت هذه الألفاظ كلها ، لأنها اسم فعل كشتان ، ومعناها إما أمر أو خبر ، فلما قالت ذلك ( قالَ ) يوسف ( مَعاذَ اللَّهِ ) أي أعوذ باللّه معاذا مما تطلبين مني ، وهو

--> ( 1 ) ولا يكله ، ب س : ولا يكلمه ، م . ( 2 ) أو شد أو لا واحد له من لفظه ، ب س : - م . ( 3 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 269 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 156 . ( 4 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 156 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 269 ( عن مجاهد ) . ( 5 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 3 / 69 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 269 . ( 7 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 3 / 69 . ( 8 ) تقول له ، : تقوله ، س م . ( 9 ) وهذا منقول عن السمرقندي ، 2 / 156 ؛ والبغوي ، 3 / 269 . ( 10 ) « هيت لك » : قرأ المدنيان وابن ذكوان بكسر الهاء وياء ساكنة مدية بعدها وفتح التاء ، وقرأ هشام بكسر الهاء وهمزة ساكنة بعدها مع فتح التاء ، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وياء ساكنة لينة بعدها مع ضم التاء ، قرأ الباقون مثله إلا أنهم يفتحون التاء . البدور الزاهرة ، 161 .